القائمة الرئيسية

الصفحات

في زمنٍ كان المغرب يختنق بين أنفاس الاستعمار ويترقب بزوغ فجر الاستقلال

في زمنٍ كان المغرب يختنق بين أنفاس الاستعمار ويترقب بزوغ فجر الاستقلال


 • في زمنٍ كان المغرب يختنق بين أنفاس الاستعمار ويترقب بزوغ فجر الاستقلال، خرج نادي المغرب الفاسي من حدود مدينة فاس العتيقة ليكتب اسمه في سجل التاريخ الكروي الفرنسي سنة 1955. لم يكن الأمر مجرد مباراة عابرة في ثمن نهائي كأس فرنسا ضد نادي ريد ستار بملعب سانت-أوين الباريسي، بل كان لحظة فلسفية تختزل معنى الزمن، والهوية، والبحث عن الاعتراف.


الهزيمة كانت ثقيلة، تسعة أهداف دون رد. غير أنّ ثِقل النتيجة لا يقاس بأرقام اللوحة الإلكترونية، بل بما تحمله من رمزية: فريق مغربي، من بلدٍ لم ينل بعد استقلاله، يقتحم أرض المستعمر ويقف أمام أحد أعرق أنديته. كان لاعبو المغرب الفاسي يجرون فوق عشبٍ مُجمَّد، لكن حرارة الفكرة التي حملوها في قلوبهم كانت أعمق من برودة الطقس. لقد لعبوا الكرة، نعم، لكنهم لعبوا أيضاً دور السفراء الخفيين لقضية وطنية تبحث عن صدى في شوارع باريس.

في زمنٍ كان المغرب يختنق بين أنفاس الاستعمار ويترقب بزوغ فجر الاستقلال


من زاوية فلسفية، يمكن القول إنّ الوقت هو البطل الحقيقي لهذه الحكاية. خمسينات القرن الماضي كانت زمناً تتداخل فيه الكرة بالسياسة، والرياضة بالرمز. ما بين الدقيقة الأولى والتسعين من تلك المباراة، لم يكن الزمن مجرد لحظة رياضية، بل كان مسرحاً يختبر فيه بلدٌ مُستعمَرٌ قدرته على الوجود أمام الآخر. كل ثانية من المباراة كانت صراعاً بين الماضي المكبَّل والمستقبل المُنتظر.


إنّ المغرب الفاسي لم يخرج من تلك الأمسية بانتصارٍ رياضي، لكنّه خرج بمكسب فلسفي وتاريخي: أنّ الهزيمة أحياناً ليست سقوطاً، بل تمهيداً لقيام جديد. وما حدث سنة 1955 لم يكن سوى نبوءة صغيرة بأنّ زمن الاستعمار يوشك أن ينقضي، وأنّ زمن المغرب المستقل سيولد بعد عام واحد فقط، في 1956.


وهكذا، تبقى قصة المغرب الفاسي في كأس فرنسا درساً عميقاً: أنّ الرياضة ليست دائماً بحثاً عن فوز، بل عن معنى. وأنّ الزمن، مثل كرة القدم، لا يُقاس بالنتائج النهائية فقط، بل بما يتركه في الذاكرة من صورٍ ورموزٍ ومواقف

أنت الان في اول موضوع
Reactions:

تعليقات